42 مليار دولار أموال ساخنة في الدين المصري.. على أعتاب موجة خروج جديدة؟

قبل الأزمة الإقليمية، كانت الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومي المصري — أذون الخزانة والسندات — تقترب من 42 مليار دولار. هذا الرقم يمثل في آنٍ واحد ورقة قوة تدعم قيمة الجنيه وسيولة السوق المالية، وفي الوقت ذاته قنبلة موقوتة قادرة على زعزعة استقرار العملة إذا قرر أصحابها الخروج في وقت واحد.
هذه الأموال دخلت إلى السوق المصري طمعاً في فارق عائد استثنائي. عوائد أذون الخزانة المصرية وصلت في أوقات ذروتها إلى 27% بالجنيه، في مقابل عوائد لا تتجاوز 5% في الاقتصادات الغربية. حتى بعد احتساب التحوط من مخاطر العملة، كان الصافي جذاباً جداً. لكن هذه المعادلة تنهار حين ترتفع مخاطر العملة بصورة حادة كما يحدث الآن.
ما حدث حتى الآن يبدو تحت السيطرة. خرجت مئات الملايين من الدولارات خلال أسبوعين، وأسهمت في دفع الدولار نحو 50 جنيه. لكن الـ42 ملياراً في مجملها لم تتحرك بصورة جماعية. الفارق بين سيناريو الخروج المنضبط وسيناريو الخروج الجماعي المتسارع هو الفارق بين ضغط قابل للاحتمال وأزمة عملة حادة.
البنك المركزي يراقب التدفقات بدقة شديدة وعلى مدار الساعة. الاحتياطي عند 52.7 مليار دولار يمنحه هامشاً للتدخل لو احتاج. رفع سعر الفائدة خيار متاح لاستبقاء هذه الأموال بزيادة الجدوى من البقاء، لكنه يأتي بتكلفة الإبطاء الاقتصادي وزيادة فاتورة خدمة الدين.
الدرس الذي تعلمته تركيا والأرجنتين وغيرهما قبل مصر: في الاقتصادات التي تعتمد على تدفقات رأس المال الأجنبي قصير الأجل، يكون الخروج المتسارع أسرع بكثير من الدخول الذي استغرق سنوات. الحماية الحقيقية تأتي من تنويع مصادر التمويل نحو استثمارات أجنبية مباشرة وصادرات حقيقية لا يمكنها الخروج في يوم وليلة.
إذا نجحت التسوية الدبلوماسية في هرمز في أسابيع قريبة، من المرجح أن يُعيد جزء من هذه الأموال النظر في قرار الخروج المبكر. أما في سيناريو استمرار الأزمة لأشهر، فإن إعادة تسعير المخاطر المصرية ستكون أكثر إيلاماً وسيعكسها الجنيه مباشرة.
الحكومة المصرية أصدرت أدوات دين جديدة بالجنيه بعوائد مرتفعة خلال الأسبوع الماضي في محاولة لاستيعاب الطلب المحلي وتخفيف الضغط على العملة. نجاح هذه الإصدارات في استقطاب سيولة محلية وأجنبية باقية سيكون اختباراً حقيقياً لمزاج السوق في الأسابيع القادمة ومؤشراً على حجم الثقة الباقية بالأدوات المالية المصرية.
في المقابل، البيئة الاقتصادية المصرية المرتفعة الفائدة تجعل الأموال الساخنة الباقية في السوق أكثر “لزوجة” مما كانت في أسواق أخرى. المستثمر الخارج من أذون مصرية يخسر عائداً يومياً حقيقياً لا هامشياً، وهو ما يجعل قرار الخروج أكثر تكلفة ويُبطئ وتيرته.






