تحويلات المصريين بالخارج ترتفع 28.4%.. 25.6 مليار دولار درع الاقتصاد المصري

أعلن البنك المركزي المصري ارتفاعاً لافتاً في تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026، إذ قفزت بنسبة 28.4% لتصل إلى 25.6 مليار دولار، مقارنة بـ20 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالي السابق. ويُعدّ هذا الرقم من أعلى المستويات المسجّلة على الإطلاق، ويُشكّل رافداً استراتيجياً للاقتصاد المصري في وقت تتصاعد فيه الضغوط الخارجية.
أرقام قياسية في سياق استثنائي
يأتي هذا الارتفاع الاستثنائي في التحويلات في سياق مجموعة من العوامل المتشابكة: ارتفاع الأجور في دول الخليج المرتبطة بارتفاع أسعار النفط، وانخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار مما يدفع المغتربين لإرسال مزيد من مدخراتهم بالعملة الصعبة استغلالاً لأسعار الصرف المواتية، فضلاً عن التحسّن في قنوات التحويل الرسمية بعد تضييق الخناق على السوق الموازية.
كيف تحمي التحويلات الاقتصاد؟
تُؤدّي تحويلات المغتربين دوراً محورياً في الاقتصاد المصري على عدة مستويات: أولاً، توفّر تدفقاً دولارياً منتظماً يُقلّص الضغط على الاحتياطي الأجنبي. ثانياً، تُموّل جزءاً كبيراً من الواردات الاستهلاكية مما يُخفّف عجز الميزان التجاري. ثالثاً، تُضخّ سيولة في الاقتصاد المحلي تدعم الاستهلاك الداخلي ونمو الناتج المحلي. ورابعاً، تُعزّز الثقة لدى مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية في مقدرة مصر على خدمة ديونها الخارجية.
مقارنة مع مصادر الدخل الأجنبي الأخرى
تُقارب تحويلات المصريين بالخارج لتكون المصدر الأول للنقد الأجنبي لمصر، إذ تتجاوز عائدات السياحة التي تبلغ نحو 14-15 مليار دولار سنوياً، وتُنافس إيرادات قناة السويس التي تُقدَّر عادةً بـ8-10 مليارات دولار في الأوضاع الطبيعية. وهذا يعني أن استمرار هذا التدفق يُشكّل ضرورة استراتيجية لاستقرار الاقتصاد الكلي.
أثر ذلك على سعر الصرف
لا يُوقف ارتفاع التحويلات صعود الدولار بالكامل، لكنه يُحدّ من حدّة التراجع. فبدون هذا التدفق المتصاعد، لكان ضغط سعر الصرف أشدّ وطأة. ويُلاحظ المحللون أن الفترات التي ترتفع فيها التحويلات تواكب استقراراً نسبياً أكبر في سعر صرف الجنيه، كما يتجلّى في مستوى سعر الصرف الحالي مقارنة بما كان يمكن أن يكون عليه لولا هذه التحويلات.
مخاطر الاعتماد على التحويلات
رغم أهميتها، تُحذّر الدراسات الاقتصادية من الاعتماد المفرط على تحويلات المغتربين كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي، لأنها مرتبطة بعوامل خارجة عن سيطرة الحكومة: أوضاع أسواق العمل في دول الخليج، ومستويات الأجور العالمية، وسياسات التأشيرات والعمالة الوافدة. وتعمل مصر على تنويع مصادر النقد الأجنبي عبر تعزيز الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتقليص هذا الاعتماد.
تأثير التحويلات على البورصة
رغم أن التحويلات لا تتدفق مباشرة إلى البورصة، فإن أثرها الاقتصادي الكلي إيجابي: فهي تُحسّن ميزان المدفوعات، تدعم استقرار الجنيه بشكل نسبي، وتُضخّ سيولة استهلاكية في قطاعات كالعقارات والغذاء والاتصالات التي تمتلك شركات مدرجة في البورصة. وتُقدّر دراسات أن كل دولار تحويل يُولّد ما بين 2.5 و3 دولارات في النشاط الاقتصادي المحلي عبر قنوات الإنفاق المتسلسل.
دول الخليج: الشريان الرئيسي
تستأثر دول الخليج العربي بالحصة الكبرى من تحويلات المصريين بالخارج، إذ يُعمل في المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت وقطر نحو 10 ملايين مصري وفق تقديرات مختلفة. وقد أسهم ارتفاع أسعار النفط وما تبعه من زيادات أجور في دول الخليج في تحسين القدرة التحويلية لهؤلاء العمال. ويبقى استقرار أسواق العمل الخليجية عاملاً حيوياً يتابعه البنك المركزي المصري بعناية لأنه يُحدد حجم هذا التدفق الحيوي مستقبلاً.






