الدين الحكومي في مصر ينخفض إلى 78% من الناتج المحلي.. هل هذا رقم جيد فعلاً؟

أعلنت بيانات البنك المركزي المصري أن الدين الحكومي تراجع إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2025، في مؤشر يُعدّ تحسّناً هيكلياً ملموساً. لكن قبل الاحتفال، تجدر الإشارة إلى أن هذا الرقم يستحق قراءة متأنية لفهم ما يعنيه فعلاً وما لا يعنيه.
ما الذي تراجع؟
نسبة 78% تعني أن إجمالي الدين الحكومي يُعادل 78% من قيمة كل ما تُنتجه مصر خلال عام كامل. وكان هذا الرقم يتجاوز 90-95% في سنوات سابقة. التراجع جاء من عاملين: أولاً نمو الاقتصاد اسمياً بسبب التضخم والنمو الحقيقي، مما يُرفع قيمة الناتج المحلي. وثانياً الانضباط المالي وتحقيق فوائض أولية في الموازنة الذي أبطأ وتيرة تراكم الدين.
78%: هل هو رقم جيد بالمعيار الدولي؟
بالمعيار الدولي، 78% رقم مقبول لكن ليس مريحاً. اليابان مثلاً تتجاوز 250%، وإيطاليا تتجاوز 140%، بينما ألمانيا تقترب من 60%. الفرق المهم أن اليابان وإيطاليا تقترضان بعملاتهما وبفائدة منخفضة جداً، بينما مصر تُعاني من ثقل الفائدة المرتفعة على ديونها المحلية والأعباء الدولارية على ديونها الخارجية. وهذا ما رصدته موديز حين أشارت إلى أن مدفوعات الفائدة ستبلغ ذروتها عند 63% من الإيرادات في 2026.
التمييز الحاسم: نسبة الدين مقابل خدمته
نسبة الدين للناتج مؤشر واحد. لكن الأهم هو خدمة الدين: كم تدفع مصر سنوياً فوائداً وأقساطاً نسبةً لإيراداتها؟ وهنا يبرز التحدي الحقيقي — فمصر تُنفق نسبة كبيرة من إيراداتها الضريبية على خدمة الديون، مما يُضيّق المساحة المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار. تراجع نسبة الدين من 90%+ إلى 78% خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن لا يزال شوط طويل أمام الاقتصاد المصري.
المستهدف: 40% للدين الخارجي
تستهدف مصر سقفاً للدين الخارجي عند 40% من الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي 2025/2026 حسب بيانات البنك المركزي. هذا الهدف الأكثر تحديداً للدين الخارجي مهم لأنه يُقيّد الضغط على الاحتياطي الأجنبي ومدفوعات الدولار. وسداد مصر 5 مليارات دولار من متأخرات شركات الطاقة الأجنبية في يناير 2026 كان خطوة في هذا الاتجاه.
انعكاس ذلك على المستثمر والبورصة
تراجع نسبة الدين يُشير إلى اقتصاد أكثر استدامة مالية على المدى البعيد. وللمستثمر في البورصة، يعني ذلك أن احتمالية أزمة ديون مفاجئة تبقى محدودة، مما يُخفّف أحد أكبر المخاوف التي كانت تُثبّط الاستثمار الأجنبي. كما يفتح الباب أمام خفض تكلفة التمويل مستقبلاً مع تحسّن الجدارة الائتمانية تدريجياً.
ماذا لو استمر التضخم فوق التوقعات؟
السيناريو الأسوأ الذي تستعد له الحكومة المصرية هو تجاوز التضخم لـ17-18% بفعل رفع أسعار الطاقة والخدمات مجتمعةً في توقيت متقارب. في هذا السيناريو سيكون البنك المركزي أمام خيار صعب: رفع الفائدة لكبح التضخم وتقبّل تباطؤ النمو، أو الإبقاء عليها وقبول ارتفاع التضخم مؤقتاً. التاريخ القريب يُشير إلى أن البنك يُفضّل التثبيت مع مراقبة صارمة، وأن اللجوء للرفع يبقى ورقة أخيرة تُستخدم فقط عند الضرورة القصوى الموجبة.






